الشيخ السبحاني

73

مفاهيم القرآن

ولا يخفى على العارف البصير أنّ سؤال الأجر ممن يكذبونه ولا يؤمنون به ويبغضونه ودعوته ، ويرونه خطراً على كيانهم ، لا يصدر من عاقل ، فضلًا عن النبي الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فإنّ الاستثناء سواء أكان متصلًا أم منفصلًا ، إمّا أجر حقيقي للنبي ، أو شبيه له ، وطلب الأجر بكلا المعنيين لا يصح إلّا ممن أسدى إليه طالبه شيئاً من الخدمة المادية أو المعنوية ، فيصح عندئذ أن يطلب منه شيئاً تجاه ما قدّم له ، وأمّا طلبه ممن لا يؤمن به ولا يراه أسدى له خدمة ، فلا يصح في منطق العقل والعقلاء ، فطلب الأجر على فرض البغض والعداء لا يصح ، وعلى فرض الإيمان به فالمودّة حاصلة لا حاجة لطلبها . الثاني : أتت الأنصار رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بمال جمعوه فقالوا : يا رسول اللَّه قد هدانا اللَّه بك وأنت ابن أختنا وتعروك نوائب وحقوق ومالك سعة ، فاستعن بهذا على ما ينوبك . فنزلت الآية ، وردّه . و « 1 » هذا المحتمل كسابقه من الضعف ، فانّ مودة الأنصار للنبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان أمراً حاصلًا فلم يكن النبي في حاجة إلى طلبها منهم ، كيف وهم الذين بذلوا دون النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم النفس والنفيس ، وآووه ونصروه ، وفدوه بشبّانهم في طريق دعوته ، فإذا كانت الحالة هذه ، فلا وجه لطلب المودّة منهم . على أنّ الوشيجة التي كانت تربطهم بالنبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لم تكن قوية بل ضئيلة جداً ، إذ كانت العرب لا تعتني بالقرابة من ناحية النساء وكان منطقهم : بنونا بنو أبنائنا وبناتنا * بنوهن أولاد الرجال الأباعد ومنهم من يقول :

--> ( 1 ) الكشاف : 3 / 89 ؛ مفاتيح الغيب : 7 / 389 . ومعنى الآية على هذا التفسير « إلّا أن تودوني لأجل‌قرابتي منكم » .